عدد الزيارات : 791
الكتاب المُقدَّس > العهد القديم 19 تموز 2021

التكوين الفصل التاسع عشر

 

شرح النصّ الإنجيليّ

 

    ١٩: ١-٢٩: فجاءَ المَلاكانِ إلى سدومَ عِندَ الغُروبِ وكانَ لُوطَ جالسًا بِبابِ المدينةِ، فلَّما رآهُما قامَ لِلقائِهِما وسجدَ بِوجهِهِ إلى الأرضِ. وقالَ: ((يا سيّديَ، ميلا إلى بَيتِ عبدِكُما وبيتا واَغْسِلا أرجلَكُما، وفي الصَّباحِ باكرًا تَستأنِفانِ سَفَرَكُما)). فقالا: ((لا، بل في السَّاحَةِ نَبيتُ)). فألَحَ علَيهِما كثيرًا حتى مالا إليهِ ودَخلا بَيتَه، فعَمِلَ لهُما وليمةً وخبزَ فطيرًا فأكلا. وقَبلَ أنْ يناما جاءَ رِجالُ سدومَ جميعًا، شُبَّانًا وشُيوخا، وأحاطوا بالبَيتِ مِنْ كُلِّ جهةٍ، فنادوا لُوطًا وقالوا لهُ: ((أينَ الرَّجلانِ اللَّذانِ دَخلا بَيتَكَ اللَّيلةَ؟ أخرِجهُما إلينا حتى نُضاجعَهُما)). فخرج إليهِم لُوطَ وأغلقَ البابَ وراءَه. وقالَ: ((لا تفعَلوا سُوءًا يا إخوتي. لي بِنتانِ ما ضاجعَتا رَجلاً، أُخرِجهما إليكُم فاَفعَلوا بهما ما يحلو لكُم. وأمَّا الرَّجلانِ فلا تفعلوا بهما شيئًا، لأنَّهما في ضِيافتي)). فقالوا لَهُ: ((اَبتَعِدْ مِنْ هُنا! جئتَ أيُّها الغريبُ لِتُقيمَ بَينَنا وتتحكَّمَ فينا. الآنَ نفعَلُ بِكَ أسوأَ مِمّا نفعَلُ بِهِما)). ودفعوا لُوطًا إلى الوراءِ وتقدَّموا إلى البابِ لِيَكسِرُوه. فمَدَ الرَّجلانِ أيديَهما وجذَبا لُوطًا إلى البَيتِ وأغلقا البابَ. وأمَّا الرِّجالُ الذينَ على بابِ البَيتِ فضربَهُمُ الرَّجلانِ بالعَمَى، مِنْ صغيرِهِم إلى كبيرِهِم، فعجزُوا عَنْ أنْ يَجدوا البابَ. وقالَ الرَّجلانِ للُوطٍ: ((مَنْ لكَ أيضًا هُنا؟ إنْ كانَ لكَ أصهارٌ وبَنونَ وبَناتٌ وأقرباءُ آخرونَ في هذِهِ المدينةِ، فأخرِجهُم مِنها. فهذا المكانُ سَنُهلِكُه، لأنَّ الشَّكوى على أهلهِ بلغَت مَسامعَ الرّبِّ فأرسلَنا لِنُهلِكَهُم)). فخرج لُوطَ وقالَ لِصهرَيهِ الخاطبينِ بِنتَيهِ: قُومَا اَخرُجا مِنْ هُنا، لأنَّ الرّبَ سَيُهلِكُ المدينةَ)). فكانَ كَمَنْ يَمزَحُ في نظَرِ صِهرَيهِ. فلمَّا طلَعَ الفَجرُ كانَ الملاكانِ يستعجلانِ لُوطًا ويقولانِ لهُ: ((قُمْ خذِ اَمرأتَكَ واَبنتَيكَ الموجودَتينِ هُنا، لِئلاَ تَهلَكُوا معَ المدينةِ عِقابًا لها)). فلمَّا تباطأ لُوطَ أمسَكَ الرَّجلانِ بيدهِ وبيدِ اَمرأتهِ واَبنتَيهِ، لشفقةِ الرّبِّ علَيهِ، وأخرَجاهُ مِنَ المدينةِ وتركاهُ هُناكَ. وبَينَما هُما يُخرجانِهِ مِنَ المدينةِ قالَ لَه أحدُهُما: ((أُنْج بنفْسِكَ. لا تَلتَفِتْ إلى ورائِكَ ولا تَقِفْ في السَّهْلِ كُلِّهِ، واَهرُبْ إلى الجبلِ لِئلاَ تَهلِكَ)). فقالَ لُوطٌ: ((لا يا سيّدي. نِلْتُ رِضاكَ وغمرْتَني برحمتِكَ فأنقذتَ حياتي. ولكني لا أقدِرُ أنْ أهرُبَ إلى الجبلِ، فرُبَّما لَحِقَني السُّوءُ فأموتُ. أمَّا تِلكَ المدينةُ فهيَ قريبةٌ وصغيرةٌ، فدَعْني أهربُ إليها، فأنجوَ لصِغَرِها بحياتي)). فقالَ لَهُ: ((إكرامًا لكَ لن أُدمِّرَ المدينةَ التي ذَكرْتَ. أسرِعْ بالهرَبِ إلى هُناكَ، لأنِّي لن أفعَلَ شيئًا حتى تَصِلَ إليها)). ولذلِكَ سُمِّيتِ المدينةُ صُوغرَ. فلمَّا أشرقتِ الشَّمسُ على الأرضِ ودَخلَ لُوطَ مدينةَ صُوغرَ. أمطرَ الرّبُّ على سدومَ وعَمورةَ كِبريتًا ونارًا مِنَ السَّماءِ، فدَمَّرَها معَ الوادي وجميعِ سُكَّانِ المُدُنِ ونباتِ الأرضِ. واَلْتفتتِ امرأةُ لُوطٍ إلى الوراءِ فصارت عَمودَ مِلحِ. وبكَّرَ إبراهيمُ في الغدِ إلى المكانِ الذي وقفَ فيهِ أمامَ الرّبِّ، وتطلَّعَ إلى جهةِ سدومَ وعَمورةَ والوادي كُلِّهِ، فرأى دُخانَ الأرضِ صاعدًا كدُخانِ الأتونِ. ولمَّا أهلكَ اللهُ مُدُنَ الوادي التي كانَ لُوطَ يُقيمُ بها، تذَكَّرَ إبراهيمَ، فأخرج لُوطًا مِنْ وسَطِ الدَّمارِ.

    قبل أن ندخل بتفصيل هذا المقطع الكتابيّ، لا بدَّ لنا من إجراء مقارنة بين ظهور الربّ لإبراهيم وظهور الربّ على لوط عبر الملائكة:

    عندما ظهر الربّ لإبراهيم كان جالساً في باب الخيمة، في مشهد بدويّ، أمّا حين جاء الملاكان إلى سدوم كان لوط جالساً في باب المدينة، في مشهدٍ مدنيّ. وهذا تأكيد آخر على أفضليّة حياة البداوة وما فيها من ترحال واتّكال على الله على حياة المدنيّة مع ما فيها من جبروت واستغناء عن الله. حياة المدنيّة تريد أن يكون إلهها كما تشاء هي، وترسم له الصورة التي تريدها له. هذا ما أكّدناه سابقاً ونعيد تأكيده اليوم إذ لا انقطاع ولا تبدّل في فكر الله أو في مخططه.

    كيف نعزّز هذه الفكرة؟

    إبراهيم يدعو الرجال إلى الاتّكاء تحت الشجرة، وكان جواب الرجال هو القبول المباشر. لوط يدعو الملاكين إلى الدخول إلى بيته، وكان جوابهم الامتناع في البداية ثم القبول بعد إلحاح.

    زيارة الرجال لإبراهيم كانت ليُعلنوا البركة لإبراهيم بإعلان ولادة اسحق. أمّا زيارة الملاكين لسدوم فكانت لإهلاكها بسبب خطاياهم.

    نرى أيضاً الاختلاف بنوعيّة الخبز المقدّم للضيوف: فالخبز الذي قدّمه إبراهيم هو خبز الخمير والخمير كما قلنا يرمز إلى الحياة وهذا الخبز يستغرق وقت لتحضيره أي أنّ الرجال مكثوا عند ابراهيم فترة طويلة. أما الخبز الذي قدّمه لوط فهو خبز فطير. والفطير يرمز إلى الموت وهذا الخبز يُعَدّ بسرعة ما يعني أنّ مكوث الملاكين عند لوط لن يستغرق وقتاً طويلاً.

    إنّ تصرّف أهل سدوم المشين مع الملائكة يعني رفضهما للربّ نفسه، وعدم رغبتهما في أن يأتي إليهما. وهذا في العُرْف الكتابي يعني تمرّداً على الرب وعلى سيادته وملكيّته للأرض. هذا التمرّد والاستغناء يجعل الإنسان عُرضة للموت كما حدث مع آدم وحواء عندما قرّرا الاستغناء عن الله. وعقوبة الله لسدوم وعمورة تأتي لتكون عبرة لكل من يتصرّف على نحوٍ مشين وخصوصاً أنَّ الأمر لم يعد يحتاج إلى دليل بعد أن هاجم رجال سدوم وأحاطوا ببيت لوط من كلّ جهة طلباً للرذيلة.

    يطلب الملاكان من لوط أن يهرب إلى الجبال، لكنّه سألهما ألّا يذهب إلى هناك فيموت، بل أن يمضي إلى مدينة صغيرة. إنَّ التشديد على صغر المدينة في "الآية ٢٠" إنّما لإظهار عدم أهميتها، واسمها "صوعر" فيصير وصفاً لوضعها، ولقيمتها. هذه الملاحظة أو هذه الحبكة تعني أنّ لوطاً أدرك أنَّ الهرب من مدينة مستكبرة، متعالية. استحقّت العقاب، إلى مدينةٍ لا شأن لها ولا قيمة، هو الذي يخلّص نفسه ويجعلها تحيا. إذاً لوط يعطي درساً لنا أنّه لتكون لك علاقة جيّدة مع الله لا يمكن أن يكون عبر انتقال من كبرياءٍ إلى استعلاء إنما إلى حياة متواضعة.

    لقد دخل "لوط" إلى "صوعر" عند شروق الشمس وهذا له أهميّة في الكتاب المقدّس. فكما أنّ الشمس الشارقة على الأرض تعطي حياةً عليها، هكذا أُعطيت الحياة للوط عندما دخل صوعر وعلى نفس النسق نرى المطر والكبريت والنار ليحرق سدوم فلا تعود إليها الحياة أبداً.

    إنّ الملاكان حذَّرا لوط ومن معه بعدم النّظر إلى الخلف. يشير النظر للوراء إلى عدم تخلٍّ كامل عن المدينة. ويشير إلى الحنين والأسف عليها، ما يعني أنَّ امرأة لوط كان لا يزال قلبها هناك فاستحقّت العقاب.

    يُنهي الكاتب خراب سدوم بكلام عن مجيء إبراهيم إلى المكان الذي وقف فيه أمام الربّ لينظر ما حدث. ذِكْر المكان يعني عودة إلى الحديث الذي دار بين إبراهيم والربّ حول سدوم وعمورة وخرابهما وللتأكيد على أمانة الربّ في تحقيق وعوده.

    في الآية ٢٩: "ولمَّا أهلكَ اللهُ مُدُنَ الوادي التي كانَ لُوطَ يُقيمُ بها، تذَكَّرَ إبراهيمَ، فأخرج لُوطًا مِنْ وسَطِ الدَّمارِ". نرى ارتباطاً بين ابراهيم ولوط فكما أنّ الله أعطى إبراهيم حياةً بولادة "اسحق" هكذا أعطى لوطاً حياةً جديدة من خراب المدن.

    ١٩: ٣٠-٣٨: وخافَ لُوطَ أنْ يسكُنَ في صُوغرَ، فصعِدَ إلى الجبَلِ وأقامَ بالمغارةِ هوَ واَبنتاهُ. فقالتِ الكُبرى للصُّغرى: ((شاخ أبونا وما في الأرضِ رَجلٌ يتزوَّجنا على عادةِ أهلِ الأرضِ كُلِّهِم. تعالَي نسقي أبانا خمرًا ونضاجعُهُ ونقيمُ مِنْ أبينا نسلاً)). فسقتا أباهُما خمرًا تِلكَ اللَّيلةَ، وجاءتِ الكُبرى وضاجعت أباها وهوَ لا يَعلمُ بنيامِها ولا قيامِها. وفي الغدِ قالتِ الكُبرى للصُّغرى: ((ضاجعتُ البارحةَ أبي، فلنَسْقِهِ خمرًا اللَّيلةَ أيضًا، وضاجعيهِ أنتِ لِنُقيمَ مِنْ أبينا نسلاً)). فسقتا أباهُما خمرًا تِلكَ الليلةَ أيضًا، وقامتِ الصُّغرى وضاجعَتْهُ وهوَ لا يَعلمُ بنيامِها ولا قيامِها. فحملتِ اَبنتا لُوطٍ مِنْ أبيهما. فولدتِ الكُبرى اَبنًا وسمَّتْهُ موأبَ، وهوَ أبو المؤابيِّينَ إلى اليومِ. والصُّغرى أيضًا ولدتِ اَبنًا وسمَّتْهُ بنَ عمِّي، وهوَ أبو بَني عمُّونَ إلى اليومِ.

    مضاجعة ابنتي "لوط" لأبيهما لا يمكن تفسيره على المستوى الأخلاقي، بل على مستوى إنجاب النسل لتأمين استمرار نسل لوط وبالتالي استمراراً للقصة مع العلم أن "موآب" و"عمّون" كلا الاسمَين يدلّان على الأصل الحرام. هذان وُلدا في كهف ولكنّهما كانا من أهل القوّة والبأس حتى أخضعا كلّ سكان شرقي بحر لوط البحر الميت وأنشأا مملكة هناك كما سنرى فيما بعد.

    هنا تنتهي قصّة لوط لتبدأ أحداثاً أخرى. مع التركيز إلى أنّ سكن "لوط" في مغارة يعني التأكيد على استمراريّة حياة البداوة والاتكال على الله.

تابع أيضاً

ما علاقة إيماني بالكنيسة؟

حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي كنت هناك بينهم

27 آب 2021
هل هناك تناقض بين الإيمان وعلم الطبيعة؟

” ليس عندي أي خيال، لا أستطيع أن أتخيّل الله الآب. ....

20 آب 2021
الإيمان – ما معنى ذلك؟

الإيمان بالله معناه أنّه لم يتمّ قول كل شيء بعد في وقائع العالم. الإيمان ....

13 آب 2021
الإيمان – ما هو؟

إن كان لكم من الإيمان قدر حبة خردل

6 آب 2021
التكوين – الفصل الحادي والعشرون

وتفقَّدَ الرّبُّ سارةَ كما قالَ، وفعَلَ لها كما وعَدَ. فحَمَلت ....

2 آب 2021
كيف نستطيع أن نجيبَ الله عندما يخاطبنا؟

من طبيعة الإيمان قبول الحقيقة التي لايستطيع عقلُنا إدراكها، وهي ....

30 تموز 2021
التكوين – الفصل العشرون

((ستموتُ بسبَبِ المرأةِ التي أخذْتَها، فهيَ مُتزوِّجةٌ برجلٍ)). ولم ....

26 تموز 2021
ما هو دور الكتاب المقدّس في الكنيسة؟

قراءة الكتاب المقدّس هي بمثابة استشارة المسيح

23 تموز 2021
التكوين – الفصل التاسع عشر

فجاءَ المَلاكانِ إلى سدومَ عِندَ الغُروبِ وكانَ لُوطَ جالسًا بِبابِ ....

19 تموز 2021
ما أهميّة العهد الجديد في نظر المسيحيّين؟

المسيح هو كلُّ ما أراد اللهُ ان يقولَه لنا. مجملُ ....

16 تموز 2021